ابن تيميه

75

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

واستحلال دمائهم وأموالهم « 1 » ، وإلا فلو لم يفعلوا ذلك لكان لهم أسوة بأمثالهم من أهل الخطأ والضّلال . ومعلوم أن الشرك باللّه وعبادة ما سواه أعظم الذنوب ، والدعاء إليه والأمر به من أعظم الخطايا ، ومعاداة من ينهى عنه ويأمر بالتوحيد وطاعة الرسول أعظم من معاداة من هو دونه . ولولا بعد عهد الناس بأول الإسلام وحال المهاجرين والأنصار ، ونقص العلم وظهور الجهل ، واشتباه الأمر على كثير من الناس ؛ لكان هؤلاء المشركون والآمرون بالشرك مما يظهر كفرهم وضلالهم للخاصة والعامة ، أعظم مما يظهر من ضلال الخوارج والرافضة ، فإن أولئك تشبثوا بأشياء من الكتاب والسنة ، وخفي عليهم بعض السنة ، اللهم إلا من كان منافقا زنديقا في الباطن مثل بعض الرافضة ، ويقال : إن أول من ابتدعه كان منافقا زنديقا ، فإن هؤلاء من جنس أمثالهم من الزنادقة والمنافقين ، بخلاف الخوارج فإنهم لم يكونوا زنادقة منافقين ، بل كان قصدهم اتباع القرآن ، لكن لم يكونوا يفهمونه ، كما قال فيهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم » . فالمبتدع العابد الجاهل يشبههم من هذا الوجه . وأما الحجّاج إلى القبور والمتّخذون لها أوثانا ومساجد وأعيادا ؛ فهؤلاء لم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم منهم طائفة تعرف ، ولا كان في الإسلام قبر ولا مشهد يحجّ إليه ، بل هذا إنما ظهر بعد القرون الثلاثة . والبدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخّر ظهورها ، وإنما يحدث أولا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة كبدعة الخوارج ، ومع هذا فقد جاءت الأحاديث الصحيحة فيها بذمّهم وعقابهم ، وأجمع الصحابة على ذلك . قال الإمام أحمد : صحّ فيهم الحديث من عشرة أوجه . وقد رواها صاحبه مسلم كلها في صحيحه ، وروى البخاري قطعة منها . وأما بدع أهل الشرك وعبّاد القبور والحجّاج إليها فهذا ما كان يظهر في القرون الثلاثة لكل أحد مخالفته للرسول ، فلم يتجرّأ أحد أن يظهر ذلك في القرون الثلاثة . وبسط هذا له موضع آخر ، ولكن نبّهنا على ما به يعرف ما وقع فيه مثل هذا المعترض وأمثاله من الضلال والجهل ومعاداة سنّة الرسول ومتبعيها ، وموالاة أعداء الرسول وغير ذلك مما يبعدهم عن اللّه ورسوله . ثم من قامت عليه الحجة استحقّ العقوبة ، وإلا كانت أعماله البدعية المنهي عنها باطلة لا ثواب فيها ، وكانت منقصة له خافضة له بحسب بعده عن السنة ، فإن هذا حكم أهل الضّلال ، وهو البعد عن الصراط المستقيم ، وما يستحقه أهله من الكرامة .

--> ( 1 ) وهذا الوعيد الذي في تلك الأحاديث ينطبق على الخوارج العصريين ( جماعة التكفير والهجرة ) التي كفّرت المسلمين بغير بيّنة واستحلّت دماءهم . نعوذ باللّه من الفتن .